تراثنا ليس ماء وطينًا، لسعت شمس الظهيرة سواعد بناته وهن ينقلن لبناته واحدة واحدة! وصيحاتهن العذبة تستحثهن ليكملنه على أحسن صورة.
ماضينا ليس حجرًا ملونًا مرصوفًا، أو خيمة من شعر تصطف دلال القهوة حول نارها.. إنه مكان ناطق! تاريخ يحكي حكاية لا تتكرر، أيقونات للبذل والعطاء، شواهد حية تعمر بحب أبنائها وفخرهم..لكن يحدث أن يمل الأبناء حديث كهولهم؛ فلا يصمون آذانهم عنه فحسب، أو يميلون أبصارهم عنه فقط، بل يكونون عاقين أكثروهم يزيلونه تمامًا، ويُفقدون أنفسهم والأجيال بعدهم لذة النظر لجذورهم التي استطالت براعمهم منها، ونبتت سواعدهم من بطونها، تلك السواعد التي تهدم وتمحو من الذاكرة الشيء الكثير.
العبث بالتراث قضيتنا المتجددة!! يفعلونها بدم بارد، ويلغون أهميتها كما لم تكن، في الوقت الذي تفاخر فيه الأمم بتراثها، وتدعو العالم كله لزيارتها كمَعْلم تاريخي بارز!
من يصدِّق أن المدرسة الأولى التاريخية في الدلم (مدرسة ابن عباس) التي تأسست في عهد المؤسس – رحمه الله تعالى – في عام1368هـ، واستمرت تخرِّج الأجيال لعقود إلى أشهر قليلة، خرَّجت الأجداد والآباء والأحفاد، وبقيت منارة علمية وتربوية تستحق المحافظة عليها كرمز ومَعْلم سياحي يفتخر به الجميع، وكنز كان يفترض أن يثمَّن بالدرجة التي يستحقه، يُهدَم جزءٌ منها لأجل توسعة الطريق أمتارًا قليلة، أو لأجل رصيف للمشاة؟!
لماذا نضيِّع تاريخنا، ونمحو معالمه من ذاكرة التاريخ ببساطة؟
هذه المدرسة تُعتبر أول منبر تعليمي نظامي، مَعْلمًا يتحدث عن حرص الدولة في المراحل الأولى لتكوينها على تأسيس الدولة المدنية حتى في القرى البعيدة، خاصة تعليم وتثقيف أبنائها.. حقُّه أن يبقى شاهدًا على الزمان والمكان، تتوارثه الأجيال، وقيمته تتضاعف بازدياد السنوات؛ فيكون متحفًا ومركزًا حضاريًّا، تفوح فيه رائحة الماضي المجيد، وتعلق في ذاكرة الجيل الجديد.
المدهش أن هيئة السياحة والتراث الوطني صنفت المدرسة من فئة (أ) كأعلى درجات التصنيف تراثيًّا؛ لقيمتها الكبيرة، كما تنازلت عنها وزارة التعليم في بادرة حضارية احترامًا لتلك القيمة، ومع هذا لم يُحافَظ عليها ويُعتَنَى بها كما يجب!!
إنها مسؤولية وزارة الشؤون البلدية التي تسمح للبلديات في المدن والقرى بالتصرف حسب رؤيتهم فحسب دون النظر لاعتبارات أهم.. فكيف يتم السماح بالهدم دون وجود جهة إشرافية واعية بالتراث وقادرة على حماية تراثنا الوطني من العبث، خاصة أنه أحد التزامات رؤية 2030 بوصفه مصدر دخل قيّم؟ حتى لو تحجج بضيق المكان والحاجة لتوسيع الطريق فهل عُدم المهندسون وعقمتأفكارهم لمعالجة الوضع دون المساس ببناء المدرسة؟
وهل سنستمر بفقدان تراثنا الوطني بحجة التطور؟ فكيف تتطور الدول الأخرى وتبني مكاسب حديثة في الوقت الذي تحافظ فيه على تراثها ومكتسباتها القديمة؟
دعوة صادقة لإنقاذ مدرسة ابن عباس بالدلم، ومعالجة وضعها وكل بناء يماثلها في الأهمية التاريخية.. ودعوة أيضًا للتكامل بين وزارات ومؤسسات الدولة في المحافظة على التراث الوطني.

(
(