نفق السعودية ملايين الريالات على العسل المستورد، على رغم امتلاكها مقومات تؤهلها لتحقيق الاكتفاء الذاتي منه، خصوصاً مع تنوع مناخها وتضاريسها، إلا أن عقبات عدة تحول دون تنمية هذه الصناعة التي تمثل مصدر دخل رئيساً لآلاف الأسر السعودية.
ويفوق عدد النحالين السعوديين حالياً الخمسة آلاف، حوالى ألفين منهم في منطقة الباحة، وعلى رغم كثرة أعدادهم إلا إنتاجهم لا يغطي حجم الاستهلاك المحلي، إذ تستورد المملكة حوالى 10 آلاف طن، بحسب إدارة الإحصاء في وزارة المال.
ويعود سبب هذا الاستيراد الكبير لما يتعلق بتربية النحل إلى انتهاج النحالين طرقاً توصف بـ«البدائية» في تربية النحل، لقلة وعيهم بالطرق الحديثة، إذ يستخدم 70 في المئة منهم خلايا بلدية يصعب إدارة النحل فيها، ويعادل إنتاجها حوالى ثلث إنتاج الخلايا الحديثة، فيما تعاني وزارة البيئة والمياه والزراعة من قلة عدد المتخصصين الذين يرشدون النحالين إلى الطرق الحديثة.
وتتعدد أنواع العسل المعروض في الأسواق المحلية، تبعاً لمصدرها، ومنها عسل السدر البري، الذي يُعد من أفضل الأنواع وأغلاها، لندرته، ويعتقد أنه يفيد في علاج فقر الدم وأمراض الكبد والجهاز الهضمي وغيرها.
وهناك عسل «الشفلح»، والذي يفيد في تنشيط الكبد وعلاج أمراض الشرايين وفقر الدم، والتهاب المفاصل وغيرها، إضافة إلى العسل المستخرج من الحمضيات، ويستخدمه البعض لعلاج الرشح وقروح الفم واللثة والأمراض الجلدية وغيرها.
ويلاحظ وجود تضارب كبير في أرقام إنتاج العسل في المملكة، إذ قدره رئيس جمعية النحالين التعاونية في الباحة الدكتور أحمد الخازم في العام 2014 بأكثر من تسعة آلاف طن، «ما يجعل المملكة متفوقة على المستوى العربي على رغم صحراوية مناخها وقلة الأمطار» بحسب الخازم.
إلا أن مستشار وزارة البيئة والمياه والزراعة لشؤون تربية النحل الدكتور عبد العزيز القرني أكد في حوار تلفزيوني شارك فيه أخيراً، بأن الإنتاج أقل من ثلاثة آلاف طن.
واستمر جدل الأرقام المتضاربة حتى الأسبوع الماضي، بعدما أثارت هيئة الإحصاء حفيظة «جمعية النحالين» بإعلان إحصائها للعسل المنتج في العام 2014، في تغريدة لها عبر حسابها في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وقدرته بـ109 أطنان، وهو ما رفضه النحالون الذين وصفوا هذا الرقم بأنه يمثل «عُشر العسل المنتج محلياً».
ولفت الخازم إلى تزايد إنتاج العسل نتيجة إقبال الشباب على هذه المهنة، باعتبارها مصدر دخل إضافي، لافتاً إلى أن «الرقم الذي أعلنته الهيئة يمثل 10 في المئة من العسل المنتج، ويلاحظ أن تركيز هيئة الإحصاء جاء على النحل المنتج في المزارع فقط، بيد أن 90 في المئة من النحالين ليست لهم مواقع ثابتة في المزارع».
وبعيداً عن جدل الأرقام، فإن المملكة تتميز بتنوع غطائها النباتي وتضاريسها من المرتفعات الجبلية والسهول والأودية، وتعد جبالها التي يزيد طولها على ألف كيلومتر من أهم المناطق لتربية النحل، نظراً لتوافر المراعي الجبلية المناسبة، خصوصاً في موسمي الربيع والصيف، مثل: جازان، وخميس مشيط، والنماص، إضافة إلى سهل تهامة.
وعلى رغم توافر هذه العناصر المؤهلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من العسل محلياً، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً، في ظل وجود عقبات عدة تواجه النحالين، أبرزها النحل المستورد الذي يهدد تجارتهم، نتيجة رخصه بحوالى 80 في المئة عن البلدي، على رغم فارق الجودة لصالح البلدي، لما يحمله من أمراض البلد المستورد منه من دون إخضاعه إلى الحجر الصحي الكافي من وزارة البيئة.
وطالب النحالون بإنشاء جهة رسمية مستقلة تعنى في مشاكلهم، وأيضاً تشديد الإجراءات لمنع دخول النحل الأجنبي المصاب، وضمان إخضاعه إلى الحجر الزراعي، على أن يكون معها شهادة خلو من الأمراض في بلد المنشأ.
فيما أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء في نيسان (أبريل) الماضي، عن تشديد إجراءاتها لمنع دخول العسل من ثماني دول، وهي: أستراليا، والبرازيل، وكندا، وكوبا، وإيطاليا، وماليزيا، والمكسيك، وأميركا، بعد ورود تقارير لمنظمة الصحة العالمية للصحة الحيوانية تفيد ظهور مرض «خنفساء خلية النحل الصغيرة» فيها، طالبت بضرورة إرفاق شهادة صحية تفيد بخلو مصدر العسل من الأمراض.
وتسود مخاوف من انخفاض كميات العسل المنتج محلياً، إلا أن رئيس «نحالي الباحة» الخازم أكد أنه «لا خوف على النحل في المملكة من ظاهرة التناقص»، مشيراً إلى تزايد طوائف النحل في البلاد والتي بلغت حتى الآن مليون طائفة.
وأطلقت قبل أعوام حملة لمكافحة الغش في العسل، بهدف توعية المستهلكين، بعدما لوحظ انتشار أنواع من العسل المغشوش يباع في الأسواق بأسعار منخفضة.

(
(