تشعر بتخفف شديد.. كلما تحللت من إرث الماضي.. تشعر بأنك تلامس الفضاء المفتوح وأنت خارج دائرة ذلك الماضي الذي احتواك بقوة سنوات طويلة من عمرك.. دون أن تستطيع الهروب منه أو مغادرته.. طاردك كلما حاولت أن تغادره أحياناً بعد تفكير مجهد.. وأحياناً بتمرد مفاجئ نتيجة لضغوط تعرضت لها ومشاكل ارتبطت بذلك الماضي المرير.
كلنا ذلك الماضي.. وكلنا نحمل ماضينا في داخلنا قبل أن يحاصرنا ويتحرك معنا.. ولكن نختلف في فهم ذلك الماضي وربطه بالحاضر الذي ينبغي أن يُعاش، أو البقاء داخله دون تفهم الحاضر أو حتى التفكير في أن ندلف إليه ونلامسه.
كلنا ذلك الماضي.. ولكن بعضنا أسرى له بامتياز.. متعايشون معه بكل طيبة خاطر.. دون تفكير أو توقف بمدى صواب ذلك أو عدم صحته.. وهل نحتاج للتفكير من أجل كسر قيود الأسر والتحرر منها أم أن علينا البقاء مكبلين مادمنا نمارس حالة الشغف بذلك الماضي مهما كانت أهميته أو تأثيره علينا عندما كان حاضراً وتحول الآن إلى فعل ماضٍ نتعامل معه بصيغة نعطيه فيها أكثر مما أخذنا منه.
أعرف أناساً يرتجفون من الخوف إن فكروا فقط في مغادرة ماضيهم.. وما أدراك ما ذلك الماضي؟ ليس لأنه صبغ حياتهم بالفرح، وطرزها بالحياة الحقيقية التي تستحق التذكر؛ ولكن لأن ذلك الماضي هو منفاهم الاختياري الذي من الصعب مغادرته أو التفكير في الخروج منه، متدثرين بقول الشاعر:
كل المنافي لا تبدد وحشتي
مادام منفاي الكبير بداخلي
هذا المنفى نتعامل به بعنف اختياري لضرورة البقاء داخله.. وكأنه الرأي الصائب الذي لا يمكن أن يكون قائله على خطأ.. وفي الغالب المنفى عادة هو وجه الماضي.. الذي يتنافى مع الحاضر.. هو الزاوية الموقوتة التي تنفجر كل لحظة بالألم والرتابة والوجع.. وتعيدك مرة أخرى بعد كل دورة ألم في نفس الزاوية التي اختارتك واخترتها.. ولكن تمكنت هي من الإمساك بزمام السيطرة عليك وقراءتك قراءة صحيحة تعكس سطوة ذلك الماضي العتيد.. وتمادي صعوده وثباتك أنت في مكانك دون أن تستطيع أن تتحرك بعيداً عنه أو تتجاوزه.
نحن أسرى للماضي لأننا لم نحسن قراءته جيداً، ولم نفهم أهمية دورة الماضي لنخرج منه إلى الحاضر ثم المستقبل.. نحن أسرى له لأننا عجزنا عن كتابته بالتفصيل من أجل مغادرته واكتفينا بقراءة كتابه والاحتفاظ به للعودة إليه دائماً وكأنه مقرر دراسي لا يتغير ويفترض أن نحمله معنا في كل عام نصعد فيه إليه.
يسرق الماضي أعمارنا ونحن صامتون.. تغيب شجاعتنا وتتبدد قوتنا.. ونفتقد لمفهوم إدارة الصراع النفسي الداخلي وهو الأهم وليس الصراع مع الآخر الذي قد ننتصر فيه، ولكن الصراع مع النفس داخل دائرة الماضي وتركيد هذا الماضي وتثبيته في داخل الروح من الصعب أن ننتصر لمصلحة الحاضر معه.
نفهم جيداً ماذا تعني الخسارة، ومع ذلك نقضي الكثير من أعمارنا نهرب من مواجهة هزائمنا أمام الماضي ولا نبدأ في التجربة.. ليست تجربة الهروب فهي لا تحل المشكلة؛ ولكن تجربة ترجيح كفة الحاضر وهي الأهم من أجل صناعة توازن نفسي وحياتي أفضل..

(
(