ليس الكلب موضوعي هنا، وإنما وضعته عنوانا ليحرس منشوري من الذين لاهم لهم ولاهِمَّة إلا الحفر تحت جدران الفيس؛ للتطفل على المنشورات، واستراق السمع. وإنما المنشور عن صاحبي الذي زرته ذات عشية في مزرعته الصغيرة، فسمعتُ من ناحية المزرعة من ضمن ما سمعتُ صوتَ كلب من دون أن أراه، فناسب أن أجد به مدخلا للحديث عن الكلاب؛ فحدثته كثيراً عما عرفته عن الكلاب الحقيقية والمجازية؛ فأخبرته أن الكلب يوصف به الإنسان، فيقال: رجل كلب، وامرأة كلبة، وقد لايوصفان بغيره، وذكرتُ له طرفا مما قرأته عنه من أنه: يحتلم، وتحيض أنثاه، وأنه إضافة إلى وفائه فإن أنثاه أمينة صادقة منصفة؛ حتى إنه إذا سفدها عدة كلاب أدَّت إلى كل كلب شَبَهَه، وأخبرته أيضا أن الكلب:يُكرِّم الوجهاء من الناس وكبار القوم، فلاينبحهم أبدا، وربما حاد عن طريقهم، ولكنه ينبح الفقراء، والضعفاء من الناس، وذوي الهيئات الرثَّة، وذكرتُ له أن من طباعه:التودد والترضِّي والبصبصة حتى لو ضربتَه ضرباً مبرِّحا ثم دعوته لأقبل عليك مبجلا لك ومُعظِّما لشأنك، وقلت لصاحبي كلاما كثيراً عنه، وهو في حالة اندهاش من غزارة معلوماتي في الشأن الكلبي، وفاجأني بسؤاله:أنَّى لك هذا العلم؟! فقلتُ له: أما ما يتعلق بما له أربعة أرجل منها فقد اشتريت من أحد المعارض كتابا عظيما لابن المرزبان اسمه:(تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)، وأفدتُ منه كثيراً، وعرضتُ أن أعيره إياه ليفيد منه. وأما ما يتعلق بما له رِجلان فقط فهذا يُكتسب من الحياة، ففيها كثير مثير من هذا الصنف، وهو شبيه بذوات الأربع في جل صفاته عدا الأمانة والوفاء! وكدتُ أن أحدِّثه عن أصناف أخرى، مثل الكلاب الأمريكية من ذوات الأربع والاثنتين، وكنتُ سأعطيه نبذة عن كلاب المشاهير، وسأفرد حديثا خاصا لكلب الرئيس الروسي بوتين الذي أطلقه على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل فأنساها به موضوع أوكرانيا كلها، ولكن الوقت داركنا بتلفُّع الشمس بردائها الأرجواني وانكفائها في بحر الغروب، وكنتُ قد أجْهزتُ على براد الشاهي الذي أعده عمالُ صاحبي على عَجَل ضيافةً للشيخ الذي عرَّج عليهم في زيارة مفاجئة، فقام صاحبي ليريني زربة غنمه وخرافه المدللة، فلفت نظري داخل الزربة كلب ضخم مربوط بسلسلة طويلة تمكَّنه من الدوران داخل الزربة بأكملها، عجبتُ للكلب وضخامته وتوحشه – فيما بدا لي- سألت صاحبي عن شأنه فأخبرني من شأنه ما زاده هيبة عندي-مع ما أسررته في نفسي من أن كلبه كذاب كبير، ولايعرف تقاليد الكلاب- لأنه نبحني!ولكنني أظهرت له التوقير والتبجيل، ولا يأخذْكم من ذلك العجبُ فقد صرت أوقِّر – مجبراً-كثيراً من هذه الكائنات على اختلاف أشكالها وألوانها..
وقال لي صاحبي: إنه درَّب هذا الكلب بالضرب واستعان عليه بالظلام في غرفة محكمة الإغلاق، وقال إنه ضربه بسَلَع، وفعل به ما جعل منه وحشا كاسرا على كل مخلوق سواه وأولاده وغنمه، وأنه يستحيل – مع هذا الكلب الخرافي- أن يقترب أحد من غنمه، وذكر أن هذا الكلب قد اجتاز اختبارات كثيرة في تجارب افتراضية لسرقة كباشته…
مضت أيام سمعت بعدها أن الكلب مات، والكباشة سُرقت، فاتصلتُ به مواسياً ومستفسراً عن هذا الخطب الجَلَل، فأخبرني أن لصاً لديه قدرة على استيعاب الكلاب مهما عظُم شأنها، وخبرةٌ في التعامل معها سرى تحت جُنْح الظلام؛ فمازال يحتال بالكلب بكل طريقة حتى قدم له طعاما مسموما قضى عليه من ليلته، ثم سرق الكباشة…. فخسر كباشته وكلبه في ليلة واحدة…وحدثتُ صاحبي حديث المواسي والناصح، فنصحته ألا يضع ثقته كلها في كلب، مهما كان وفياً، وأن الكلب ربما تغلب عليه من هو أكلب منه، وعاتبني لِمَ لم أنصحه تلك الليلة؟! فقلت له مداعبا: رأيتك مستكلباً فما أحببت أن أفسد متعة استكلابك أولا، ورأيتُ من حالك أنك لن توافقني، وقد تعلمنا أن من الحكمة:أن تصمتَ عن الحق إذا لم يكن لك عليه موافق..
التطور المذهل في حياة صاحبي، أنه بعد هذه الحادثة غيَّر نشاطه، وتخلص من الزربة والكباشة والكلاب، وأعد لنفسه استراحة وأصبح يتباصر بأحاديث الجن، وأخبرني في ذات طريقٍ أنه رآهم أكثر من مرة وهم يتوضأون من بِرْكة المزرعة لصلاة المغرب.. فوعدتُه بزيارة لأحدثه عن الجن؛ فقد قرأتُ عنها، وعندي من أمرها أخبار عجيبة، وأنهم يخرجون عليَّ حتى في الفيسبوك، فقال وما الفيسبوك؟! فقلت هذا نبتٌ طيِّب الرائحة ينبتُ في الهند؛ فسُرَّ سرورا عظيماً، وابتهجت نفسه، ولايزال يستعجلني في الزيارة في المزرعة، وسأفي له بالوعد؛ لأنه (يستاهل)، فهو الوحيد الذي يُصغي إلى أحاديثي من هذا الصنف المضروب!
والسلام!

(
(